محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

323

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وفي حديث أبي هريرة وأبي سعيد يشهدان به على النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ما جلس قوم مسلمون مجلسا يذكرون اللّه فيه إلا حفّتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم اللّه فيمن عنده » « 1 » . قال يحيى بن معاذ ، رضي اللّه عنه : « يا غفول يا جهول لو سمعت صرير القلم حين يجري في اللوح المحفوظ بذكرك لمتّ طربا » . رب عمر اتسعت آماده وقلت أمداده ، ورب عمر قليلة آماده كثيرة أمداده . الإمدادات الإلهية التي يمدّ الحقّ تعالى بها عباده المؤمنين زيادة في إيمانهم ، وتقوية لإيقانهم لا أثر فيها لطول العمر ولا قصره ، فلا تنقص بذلك ولا تزيد به ، ولا تقل ولا تكثر ، وإنما ترد عليهم من خزائن الفضل والكرم بحسب قوة استعدادهم وكمال قابليتهم ، ويختلف هذا باختلاف تراكيب خلقهم ومجبول فطرهم ، ولا مدخل للزمان في هذا إلا بالعرض ؛ وبهذا فضلت هذه الأمة على سائر الأمم على قصر أعمارهم ، وطول أعمار غيرهم . قال أحمد بن أبي الحواري ، رضي اللّه تعالى عنه : « قلت لأبي سليمان الداراني ، رضي اللّه تعالى عنه : قد غبطت بني إسرائيل . قال : بأي شيء ؟ قلت : بثمان مائة سنة حتى يصيروا كالشنان البالية ، وكالحنايا « 2 » ، وكالأوتار . قال : ما ظننت إلا وقد جئت بشيء لا واللّه ، ما يريد اللّه لنا أن تيبس جلودنا على عظامنا ، ولا يريد منا إلا صدق النية فيما عنده ، هذا إذا صدق في عشرة أيام نال ما نال ذلك في عمره . » . من بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن من منن اللّه تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ولا تلحقه الإشارة . البركة في العمر أن يرزق العبد من الفطنة « 3 » ما يحمله على اغتنام أوقاته ، وانتهاز فرصة إمكانه خشية فواته ، فيبادر إلى الأعمال القلبية والبدنية ، ويستفرغ في ذلك مجهوده

--> - عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق 4 / 388 ، 5 / 22 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 1135 ، 1136 ، 5845 ) ، والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار ( 4 / 450 ) ، وابن عدي في ( الكامل في الضعفاء 6 / 2327 ) ، وابن حجر في ( فتح الباري 11 / 209 ) ، وابن أبي الدنيا في ( حسن الظن 2 و 3 ) ، وأخرجه صاحب ( الإتحافات السنية 70 ، 76 ، 78 ) ، والتبريزي في ( مشكاة المصابيح 2264 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 5 / 5 ، 6 ، 7 ، 8 / 333 ، 9 / 169 ، 10 / 277 ) ، وابن كثير في ( التفسير 1 / 313 ، 2 / 73 ) وأبو نعيم في ( حلية الأولياء 9 / 27 ) . ( 1 ) أخرجه ابن ماجة ( أدب ، 53 ) . ( 2 ) الحنايا : ( ج ) حنية : القوس . ( 3 ) الفطنة : جودة استعداد الذهن للفهم والإدراك .